فيلم "شرش" للتونسي وليد مطار... البحر بيضحك ليه؟

فيلم "شرش" للتونسي وليد مطار... البحر بيضحك ليه؟

من الصعب أن تكتب عن السينما الحديثة لا سيما في فترات انتقال سياسي على غرار الأفلام التونسية ما بعد الثورة. فأنت في نفس الوقت قريب جدا من الهدف إلى حد يقصر فيه بصرك وبعيد جدا عن ملامح أعمال تحمل في طياتها أو حتى في شكلها مستقبلا لن يفك رموزه سوى الزمن. "شرش" أو "ريح الشمال" لوليد مطار هي من تلك الأفلام التي تسابق وتنافس وتسائل أثر الحياة.


بعد مشاركته في مهرجانات دولية عديدة وإحرازه ثلاث جوائز في الدورة الأخيرة من أيام قرطاج السينمائية، يعرض في تونس انطلاقا من 10 يناير/كانون الثاني 2018 فيلم "شرش" للمخرج وليد مطار الذي اختار قبل بضعة أيام، في مبادرة فريدة، أن يكشف عن لشريطه الروائي الطويل الأول في إحدى قاعات حمام الأنف بالضاحية الجنوبية للعاصمة حيث نشأ وعاش قبل أن يهاجر إلى فرنسا.


من لا يعرف وليد مطار.. الذي طبعت أفلامه القصيرة (المدرعة عبد الكريم، تنديد، بابا نوال...) وعمله الوثائقي (أولاد الفكرونة – "أبناء السلحفاة") أذهان جيل من السينمائيين الشباب والهواة ومحبي الفن السابع لا سيما خلال مواسم مهرجان مدينة قليبية (الشمال الشرقي) صيفا حيث يولج الليل في الليل لكثرة ما يسهر هؤلاء يعيدون صنع العالم بتطلعاتهم وأحلامهم مستعينين بنسيم البحر وأغاني الشيخ إمام و بالعروض المستمرة حتى الفجر أحيانا وبالسلتيا (جعة محلية) إلى حد انقطاعها.


من الصعب أن تحلل الفيلم "الأول" للمخرج الذي درس وعمل كمهندس صناعي قبل أن يترك، في أكثر من مرة، ويضحي بكل شيء من أجل السينما. فعلى غرار ذلك المثل الذي ينسب تارة لخليل جبران وطورا لغارسيا ماركيز، ليس وليد مطار ممن يعيشون أو يختارون نصف حياة. تقول الكاتبة السورية "لا روح لي.. من يحب جسدي يحبني"، هكذا هي أفلام هذا السينمائي الفياض الجياش، فإما أن تحبها وإما أن تتركها... وما أصعب أن تنقدها. فهي كجسده حين ينهض ثملا ليرقص ويغني ويحب، جسد مجروح ولهان كجلمود صخر وكفراشة رقيقة، "يدور" كدرويش ثم يقع، أليس أن تدور tourner  هو بالفرنسية أن تصور بالكاميرا؟


في "عبد الكريم" و"تنديد" و"بابا نوال" و"أولاد الفكرونة"، كانت تحاك الخطوط العريضة لما بسطه مطار لاحقا وبيد "معلم" في "شرش" : الفقر، اليأس، البطالة، عبثية الآيات البيروقراطية، بطش الاقتصاد الرأسمالي، التوق إلى "الحرقة" (الهجرة) أمام انغلاق السبل، والتوظيف الديني و/أو السياسي الفضفاض لفراغ الشباب. ثم تجاوزها إلى ما وراء المتوسط ، فالخيبة والفشل يعمان أيضا الطبقة الكادحة في شمال فرنسا. ووسط كل هذا، روح الفكاهة وحب الأهل وقوة الشغف بالحياة وأحلامها (أو أوهامها).


ريح الشمال ليست تلك التي تهب على ضواحي تونس العاصمة الثرية وحيث تعيش "النخب" وتحتكر أسواق الفن، بل هي نداء الضفة الشمالية للمتوسط للشباب القانط، نداء عنيد وجذاب-خادع، وهي أيضا إشارة إلى شمال فرنسا لا سيما إلى مناطقه الصناعية حيث تشبه حياة عمالها حياة عمال شمال إفريقيا... نسبيا.







test